ابن الجوزي
176
صفة الصفوة
أدركت في هذه الأمة : كان أبعد الناس أن يسكت عن حقّ بعد أن يتبين له ، يتكلم فيه غضب من غضب ، ورضي من رضي ، وكان من أحرص الناس أن يكتم من نفسه أحسن ما عنده . عبد اللّه بن المبارك عن طليق قال : سمعت ابن محيريز يقول : من مشى بين يدي أبيه فقد عقه ، إلا أن يمشي فيميط له الأذى عن طريقه ، ومن دعا أباه باسمه أو بكنيته فقد عقه إلا أن يقول : يا أبه . أسند ابن محيريز عن أبي سعيد الخدري ، ومعاوية بن أبي سفيان ، وأبي محذورة وفضالة بن عبيد وغيرهم - وتوفي في ولاية الوليد بن عبد الملك . 745 - أبو مسلم الخولاني واسمه عبد اللّه بن ثوب طرحه الأسود العنسي المتنبي باليمن في النار فلم تضره فكان يشبّه بالخليل عليه السلام . عن شرحبيل بن مسلم الخولاني قال : تنبأ الأسود بن قيس العنسي باليمن فأرسل إلى أبي مسلم فقال له : أتشهد أن محمدا رسول اللّه ؟ قال : نعم ، قال : فتشهد أني رسول اللّه ؟ قال : ما أسمع . قال : أتشهد أن محمدا رسول اللّه ؟ قال : نعم ، قال : فتشهد أني رسول اللّه ؟ قال : ما أسمع قال : أتشهد أن محمدا رسول اللّه ؟ قال : نعم . قال : فتشهد أني رسول اللّه ؟ قال : ما أسمع . قال : فأمر بنار عظيمة فأجّجت وطرح فيها أبو مسلم فلم تضره فقال له أهل مملكته : إن تركت هذا في بلادك أفسدها عليك . فأمره بالرحيل فقدم المدينة وقد قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم واستخلف أبو بكر . فقام إلى سارية من سواري المسجد يصلّي فبصر به عمر بن الخطاب ، فقال : من أين الرجل ؟ قال : من اليمن - قال : فما فعل عدو اللّه بصاحبنا الذي حرقه بالنار فلم تضره ؟ قال : ذاك عبد اللّه بن ثوب . قال : نشدتك باللّه عزّ وجل أنت هو ؟ قال : اللهم نعم . قال : فقبّل ما بين عينيه ، ثم جاء به حتى أجلسه بينه وبين أبي بكر وقال : الحمد للّه الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الرحمن ، عليه السلام .